التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوردة .. قصة جديدة لـ أحمد نورالدين


    دخل محمود القاعة وكانت ممتلئة بدخان السجائر الكثيف. رائحة المكان غريبة وكأنها خليط من روائح متعددة منها رائحة دخان السجائر الكريهة والمعطرات الجوية والعطور الشخصية للمتواجدين بالحفل. 

       كانت القاعة ممتلئة بالنساء والرجال. لأشد ما يبغض محمود الأماكن المغلقة؛ فالتزاحم يزعجه جدا ويضيق صدرة عن التنفس؛ ذلك شيء، وكثرة المواجهات التي تستوجب المجاملات ذوات القدرات الكبيرة من الكذب المتتالي والخبرة في كيفية الاسترسال فيه يعتبره شيء آخر. فلم يكن من السهل عليه سرد كم كبيرة من المجاملات والأكاذيب والنفاق بحرفية مثلهم.

    مازال محمود واقفا ومجاورا لباب القاعة. كان على الجانب الأيمن بالقاعة عدة موائد تصدر أصواتهم الضحكات المرتفعة بشكل متقطع في محاولات جادة ﻻصطناعها. واقفا كما كان في مكانه ولم يتحرك قيد أنملة كان ينظر للجميع نظرة فاحصة في محاولة لتحليل كل ما يراه من المحتفلين في هذه القاعة؛ رأى الرجال أجمعهم نفس المنظر والهيئة؛ شعر مصفف وأربطة عنق ذو نقاط أو خطوط عرضية باللون الفضي اللامع، الكل مرتدي قميص أبيض ناصع البياض، وبذلة قاتمة السواد. 

أما النساء كلهن يتلمزن ويتغامزن بحركات متمايعة. كلهن مرتديات فساتين السهرة، وكلهن بذلن الكثير من المجهود والوقت لكي تكون كل واحدة في هذا الحفل هي الأكثر جاذبية عن غيرها، فمنهن من أغفلت كتف من إحدى كتفيها، وأخرى قصرت إلى ما فوق الركبتين بقليل، وأخري أطلقت كل الحرية للكتفين وما بينهما وأخرى قصرت وأظهرت كل ما هو بض ولين معا. 

      كانت تنطلق منهن الضحكات العاليات مدويات في جنبات القاعة وكأنها الزلازل. كانت ألوان السماء السبعة هي الراعي الرسمي لوجوه النساء وكأن وجوههن أغرقت في المساحيق من قبل. كانت كل واحدة منهن ذات لون مغاير عن الأخرى، فهن محترفات في صناعة التغير في نفوسهن خارجيا فقط. 

        نساء الحفل كلهن جميلات كالوحات المرسومات بدقة وتفنن وإبداع، أما أجسادهن فكانت كل واحدة لها جمالها الخاص أظهرت الفساتين جمالهن بإنسيابية وجاذبية شديتين، وبالرغم من كل هذا الجمال الفذ وهذه الأجساد البضة المثيرة كانت كل الوجوه المتواجدة بالمكان كالحة كالأرض، كأنهم هجروا أرواحهم في مكان ما، أو قتلت من كثرة الزيف والكذب. 

        كانت الروح بالمكان ثقيلة على النفس كثقل الجبال الرواسي، لم يسمع محمود إلا النكات الفاجرة منعدمة الحياء أو السمجة أو التافهة. إن مثل هذه الإجتماعات تكون معدومة للمصداقية والروح ﻷن مظهر الجسد يصبح فيها الهوية الأساسية لإظهار هذا أو ذاك، والناس فريقين فريق يمكنه أن يخدعك ويجذب إنتباهك إذا كان من المتظاهرين ذو الخبرة في صناعة ذلك أو من الفريق الآخر وتكون من المغفلين المنجذبين الجدد لكل ما هو براق ﻻمع، ﻷن ما ستنبهر به عيناك سريعا من جمال سوف يصبح ضده بنفس السرعة، ولكن ستكون حينها قد خدعت. 

        يرى محمود كل الردود المفتعلة والمتداعية التى تدعو للغثيان، تلك التعاملات التى تشبعت بيها الدبلوماسية والفسلسفات الكاذبة، معظم الرجال المتواجدين بالقاعة مدخنين للسيجار الكوبي أو نوع آخر من السجائر المستوردة باهظة الثمن، واضعين اللفافة بين السبابة والوسطى ملوحين بها في الفضاء حولهم بغطرسة، وآخر يمسكها بين الإبهام والسبابة مثلما يفعل سائقين السرفيس ويخرجون دخان السجائر بتفنن من الجانب الأسير للفم.

          ضغط محمود على نفسه وقال لها: تهيئ وأقبلى هذا المجتمع المريض لخمسة دقائق فقط .. خمسة فقط وسنترك لهم أكاذيبهم ونفاقهم ونعود لما لنا .. نعود لعالمنا الخاص، وما نحن عليه، وكأن شيئا لم يكن. حاول مجاهدا رسم الضحكة الكاذبة فلم يستطع. قرر التحرك من موضعه الذي طال الوقوف به. 

        أخذ يدور بالقاعة مصافحا المتواجدين، فرحب به الجمع كله وطلب أكثر من فرد منهم أن يجاورهم على المائدة خاصتهم. كان يلقي السلام عليهم ويذهب من فوره ولا يكترث بما طلبوه منه. صافح كل من يعرفه بالقاعة بوجهه غير مبتسم وغير حزين وجهه ثابت دون افتعالات أو أكاذيب. وجه محمود في طبيعته بشوش ومشرق يصفح وجهه عن طيبته ونقاء قلبه. 

      أنهى مصافحاته وأخذ نفسه مسرعا إلى الخارج وكأنه نجا بنفسه من ذلك العالم الذي يدعوه مباشرة للكذب والنفاق وفعل ما لا يليق به ولا يرضاه وجهه وقلبه. أخيرا ترك القاعة وخرج. رأى الشارع مرة أخرى فأبتسم بشدة وظهر ضرسه الأخير من شدة البسمة. 

        كان بالناحية الأخرى للطريق رجلا يرافق وزوجته وكانت الزوجة متأبطة ذراع زوجها. هبط عليهم من السماء فجاة دون تنبيه رجل كبير السن نوعا ما؛ كان يمتلك في أحدى يديه حزمة كبيرة من الورد وباليد الأخرى عشرات من سلاسل الفل والياسمين. ظل بائع الورد يضغط على الزوج بشكل ملح ومضحك مصاحبا ذلك بحركات لولبيه بجسده النحيل حتى يبتاع منه ورده ويقدمها لامرأته كهدية تليق بها. مازال واقفا محمود يشاهد عن كثب وبشغف مهول الطريقة التي يبيع بها البائع ورده وفي النهاية نجح البائع في بيعته وباع للزوج الورد.
ناداه محمود وقال له: يا عم .. يا عم يا بتاع الورد!.
جاءه مهرولا وقال: اؤمر يا عسل.
سأله محمود: الوردة بكام يا رجل يا جميل؟
قاله: من غير فلوس، أحنا نحب الورد ونهديه للي يتحب.
مد البائع يده ووضع عقد فل وياسمين لمحمود في رقبته وأهداه وردة حمراء فواحه. أخرج محمود ورقة فئة الخمس جنيهات مصافحا له قائلا: مساءك كله ورد. ضحك البائع وذهب إلى زبون آخر. 
     وجد محمود الرصيف نظيفا والشارع خاويا تقريبا إلا من حبيبين هنا وهناك. فتح أزرار جاكت البذلة وجلس على ذلك الرصيف يشم عطر وردته الشذية بعطف شديد وكأنها الوردة الأخير على الكوكب.

أحمد نورالدين رفاعي - 12/01/2018

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أتيَتُ وَحِيدًا - خورخي دانيال - ترجمة أحمد نورالدين رفاعي

مختارات شعرية للشاعر: خورخي دانيال ترجمة أحمد نورالدين رفاعي من مقدمة المترجم يُعد الشِّعْرُ البوابة الرئيسية للمشاعر على مَر الأزمان، فليس هُناكَ مِنْ شيءٍ لديهِ المقدرة التعبيـرية المُكثفة الَّتي يَملُكهَا الشَّعْرُ فـِي التعبيرِ عَنْ كُلِّ مَا يجولُ بقلوبنا، أو مَا يُحركُ مَشاعِرُنَا مِنْ سعادةٍ وشَجَنٍ، أو فِيمَا نُفَكِّرُ فيهِ عامة. إنَّ الشعر أعترافٌ، ولكنهُ غير مباشر. فالشعر وَصْف لِشعورٍ يُشكَّل لدى كُل شاعر بطريقته الخاصة، فالشاعر لا يكتب عن ذاته، أو تجربته التي مَرَّ بها فقط بل أيضًا عَنْ تجاربٍ عايشها أحد من صحبته، أو عرفها عن طريق المصادفة، ولكل شاعر حصيلة كبيرة من المشاعر المختزنه داخل صدره تتبلور من قراءات، وذكريات، وأفكار... ألخ، فعندما يكتب الشاعر قصيدته وينتهي منها ويراها لا يعرف كيف كتب هذا الكم الكبير من المشاعر التي تمتلئ به القصيدة، ولكن كُلّ هذه المشاعر، والأحاسيس تكون منبثقة من مخزن صدره الذاخر. فالشعر غاية، ووظيفة الشاعر الوصول لغايته بطريقته الخاصة المميزة، وأهم غايات الشاعر تغير الأشياء من حوله من الأسوأ للأحسن، ومن جميل للأجمل. عن ...