خرج عبدالحفيظ من باب شقته بحي عابدين قاصدا مصلحة الكيمياء بالإسعاف، عند دخوله المصلحة ألقى السلام على موظف الأمن دون الإلتفات إليه وعلى عجل قام بتسجيل اسمه في دفتر الحضور. وقف ينتظر الأسانسير مع زملائه أمام الباب الموصود إلى أن انفرج الباب ودخل الجميع المصعد. كان هناك ثمة ورقة معلقة على جدار الأسانسير بالداخل مكتوب عليها " الدوام لله الواحد الديان" توفى البارحة والد زميلنا أ / مكرم الدويقي " والعزاء اليوم بمسجد نوري خطاب بمدينة نصر ... الإدارة
أطرق عبدالحفيظ بعد قراءة هذا الخبر الحزين قبل أي شيء. انفرج الباب وخرج عبدالحفيظ واتجه لمكتبه وأغلق الباب وراءه. رفع سماعة الهاتف وطلب من البوفيه فنجان القهوة خاصته المعتاد عليه كل صباح إثر دخوله المكتب فى بداية كل يوم. وضع السماعة وأمسك بجريدة اليوم التي توضع على مكتبه في كل نهار. أخذ يقلب ويتصفح في ورقها الناعم الخفيف ورقة تلو أخرى حتي صدمة مانشيت في الصفحة الخامسة كتب فيها " قوات الأسد تطلق القنابل الكيماوية على المدنيين بمدينة خان شيخون" صعق عبدالحفيظ من الصور الواردة بجانب الخبر، أغلق الجريدة وبغيظ شديد نحاها جانبا. بدأ فى مخاطبة نفسه ويقول: يا له من يوم مبهج، أول خبر وفاة والد مكرم، والثاني قتل الناس بالكيماوي بسوريا، يوم ممتلئ بالموتي والقتله والمقتولين حقا يومنا يدعونا للتفاؤل والسرور .
الموت .. ولا غير الموت هو الشئ المكرر بحياتنا كل يوم الكل سيموت أجلا أم عاجلا، ليس هناك جدال أو خيار آخر، وليس هنالك من ستدوم له الحياة. إن الحياة ما هي إلا تقلبات ما بين علو ودنو وسعادة وبكاء وحياة وموت، حياتنا ما هي إلا صور ﻷشياء وانعكاساتها، والعكس يعارك المعكوس فيها، وكل واحد يرى نفسه هو الأصلح. آآه دنيا.
ما علينا الكل سيموت ويهلك وسيكون مسوانا التراب هكذا هي الحياة مهما علوت أو دنوت، ستؤول في النهاية إلى جثة تغسل وتكفن وتدفن في عين تحت التراب في تربة وسيتركك الجميع من أحبوك ومن كرهوك وهكذا سيكون مصيري و مصيرهم لا محالة حتى وإن كان بعد حين. لكن؛ ما مصيري إن مت؟! هل من أحد سيبكي على؟! هل من أحد سيرفع يديه للسماء ويبتهل لله مستغفرا لي؟! وهل لو مد أحدا يديه سيظل ماددا إياها يدعو لي مدى عمره أم فترة قصيرة بسبب تعوده علي وغيابي فجاءة؟ ياربي؛ ما كل هذة الاسئلة التي تعكر من يوما أكثر مما هو متعكر! هل حياتي الأخري ستكون أفضل؟ انقطعت تساؤلات عبدالحفيظ لنفسه حين طرق الباب فأمر عبدالحفيظ للطارق بالدخول، فإذا بعم خليل موظف البوفيه يدخل وعلي يديه صينية فوقها كنكة من النحاس ذهبية اللون وزجاجة مياة وفنجان صغير، أفرغ خليل محتويات الكنكة في الفنجان بمهارته المعتادة للمحافظة على وش القهوة. وضع له الفنجان على مكتبه قال عبدالحفيظ: أقعد ياعم خليل لدي لك سؤال وأريد معرفة أجابته منك، أنت رجل كباره وابن بلد ولقيت من الدهر ما لاقيت، ماذا تعرف عن الموت؟
أستغرب خليل من السؤال وسكت لثواني وقال: أعرف أنه سنة الحياة وإن الموت لا يترك غنيا ولا فقيرا ولا سلطانا ولا حارس عقار، وأن لكل أجل كتاب. والموت يا أستاذ عبدالحفيظ كأس بيدور على الكل ولن ينتهي إلا بإنتهاء الناس، ولن يمر أحد بالدنيا إلا وأن يتجرع من ذلك الكأس.
لكن قول لي يا عم خليل تفتكر الموت راحة أم عذاب؟
- الموت راحة من كل شر، الموت ينقلنا من تلك الحياة الناضحة بالألم والفقر والمرض إلى حياة لا موت فيها ولا عله ولا مظالم هذا لو إن كفانا الله شر العذاب وأنعم علينا برضاه، ضرب الصمت علر المكان وكأن سهم الله نزل على عبدالحفيظ فلم يحرك ساكنا وعندها أستأذن خليل وخرج.
شرب قدحه وخرج من مكتبه هائما على وجهه، كان الجو حارا والعرق كان يتصبب منه غزيرا، ظل يتفكر فى الموت وماهياته وما سيؤول إليه فى حالة موته، كانت أفكاره تتخبط ببعضها وتزداد التساؤلات متصارعه داخل رأسه فجعلته مطرقا سارحا غير منتبها للطريق وكادت سيارة أن تدهسه لولا تفادي السائق له، رغم ذلك كله لم يهتم وأكمل سيره في حالة من اللامبالاة وهو يتفكر في أفكاره وتساؤلاته. صحيح! كل من يمت له من يبكي عليه، أما يتخلع قلبها لوفاة أبنها، أختا تبكي أخاها وصديقها، أو زوجة ترعى العشرة وتتصدق له أو ولدا يدعو له. قال لنفسه.
طيب وأنت يا عبده هل لك من أحد يفعل ذلك من أجلك بعد مماتك؟! لم يرد على نفسه.
دخل بيته وهو محطم النفس مشتت الفكر ضائع التركيز، أتجه لغرفته مباشرة خلع حذائه ومد جسمه على السرير، أضاء نور غرفة نومه رغم أنها ساعة عصاري ونور الله مازل يكسو الكون والشمس لم تزل في كبد السماء تبث أشعتها الساخنة في كل إتجاه، جلس على سريره وكان خائفا من الظلام والعتمة والكآبة المنتشية بداخل بيته والذي زاد عليه خوفه أفكاره في الموت ووحدته المتوحشة التي تحيطه ببيته، بالرغم من أنه منذ أكثر من عشرة أعوام يحيا وحيدا بعد وفاة شقيقه الأكبر لكنه شعر فى تلك المرة شعورا مختلفا، إذ تذكر أن والديه قد ماتا منذ خمسة عشر عاما وأخاه منذ ما يقرب من عشرة سنين تقريبا، ومن حينها يعش وحيدا بمعني الكلمة وكان حري به أن يتخذ له زوجة سكنا له كي تنجب له طفلا يؤنس معاشه ويتعكز عليه في كبره و يحمل له أسمه ويدعو له بعد مماته.
الآن قد تجاوزت الخمسين وأنت وحيدا يا عبده، كان عليك أنت تشرك أحد معك في تلك الحياة ليؤنسك ويساعدك أنظر حولك ما هذة الشقة الشبيهة بالقرافة التي يملئها الصمت والكآبة، أتذكر متي رنت اخر ضحكة بركن من أركانها؟! (قال لنفسه ). تزايدة وساوسه وبدأت تنخر في كل مراكز عقلانيته وتملكت من الهواجس كما يتملك المرض من الأجساد الهشة الضعيفة وتضخمت لدرجة تخيله أنه مات وجاء أهله الذين لا يزيدون عن أصابع اليد. وضع يده تحت خده وبدأ مشهد موته يدور بدماغه بدا يرى نفسه في خشبة الغسل وأقاربه حوله يغسلوه ويكفنه وهم يدفنونه، وبدا يتصور نفسه وحيدا في قبره الموحش ملفوفا في قماش أبيض تحت التراب. سأكون وجبه دسمة للديدان وستقوم بنهش لحمي ونخر عظامي وستنشأ على جثتي الصغيرة مستعمرات من الدود التي ستتصارع على البقاء فوقي والفوز بلعق دمائي لأخر قطرة. قال لنفسه.
غلبه النوم وراى في منامه كابوسا، رأي أنه مات إثر حادثة بشعة دهسته سيارة أثناء عبوره الطريق فتقطعت أوصاله ففزع عبدالحفيظ من نومه، وأخذ كوبا من الماء وبدأ يلتقط أنفاسه وألقى نظرة على الساعة المعلقة على يساره كانت فى حدود السابعة والنصف، قام من نومه واتجه للمطبخ وبيدين مرتعشتين وفكر مذبذب ونفسية مضطربة يعد لنفسه فنجانا من القهوة، قبل نزوله لتأديه واجب العزاء لصديقه مكرم.
أطرق عبدالحفيظ بعد قراءة هذا الخبر الحزين قبل أي شيء. انفرج الباب وخرج عبدالحفيظ واتجه لمكتبه وأغلق الباب وراءه. رفع سماعة الهاتف وطلب من البوفيه فنجان القهوة خاصته المعتاد عليه كل صباح إثر دخوله المكتب فى بداية كل يوم. وضع السماعة وأمسك بجريدة اليوم التي توضع على مكتبه في كل نهار. أخذ يقلب ويتصفح في ورقها الناعم الخفيف ورقة تلو أخرى حتي صدمة مانشيت في الصفحة الخامسة كتب فيها " قوات الأسد تطلق القنابل الكيماوية على المدنيين بمدينة خان شيخون" صعق عبدالحفيظ من الصور الواردة بجانب الخبر، أغلق الجريدة وبغيظ شديد نحاها جانبا. بدأ فى مخاطبة نفسه ويقول: يا له من يوم مبهج، أول خبر وفاة والد مكرم، والثاني قتل الناس بالكيماوي بسوريا، يوم ممتلئ بالموتي والقتله والمقتولين حقا يومنا يدعونا للتفاؤل والسرور .
الموت .. ولا غير الموت هو الشئ المكرر بحياتنا كل يوم الكل سيموت أجلا أم عاجلا، ليس هناك جدال أو خيار آخر، وليس هنالك من ستدوم له الحياة. إن الحياة ما هي إلا تقلبات ما بين علو ودنو وسعادة وبكاء وحياة وموت، حياتنا ما هي إلا صور ﻷشياء وانعكاساتها، والعكس يعارك المعكوس فيها، وكل واحد يرى نفسه هو الأصلح. آآه دنيا.
ما علينا الكل سيموت ويهلك وسيكون مسوانا التراب هكذا هي الحياة مهما علوت أو دنوت، ستؤول في النهاية إلى جثة تغسل وتكفن وتدفن في عين تحت التراب في تربة وسيتركك الجميع من أحبوك ومن كرهوك وهكذا سيكون مصيري و مصيرهم لا محالة حتى وإن كان بعد حين. لكن؛ ما مصيري إن مت؟! هل من أحد سيبكي على؟! هل من أحد سيرفع يديه للسماء ويبتهل لله مستغفرا لي؟! وهل لو مد أحدا يديه سيظل ماددا إياها يدعو لي مدى عمره أم فترة قصيرة بسبب تعوده علي وغيابي فجاءة؟ ياربي؛ ما كل هذة الاسئلة التي تعكر من يوما أكثر مما هو متعكر! هل حياتي الأخري ستكون أفضل؟ انقطعت تساؤلات عبدالحفيظ لنفسه حين طرق الباب فأمر عبدالحفيظ للطارق بالدخول، فإذا بعم خليل موظف البوفيه يدخل وعلي يديه صينية فوقها كنكة من النحاس ذهبية اللون وزجاجة مياة وفنجان صغير، أفرغ خليل محتويات الكنكة في الفنجان بمهارته المعتادة للمحافظة على وش القهوة. وضع له الفنجان على مكتبه قال عبدالحفيظ: أقعد ياعم خليل لدي لك سؤال وأريد معرفة أجابته منك، أنت رجل كباره وابن بلد ولقيت من الدهر ما لاقيت، ماذا تعرف عن الموت؟
أستغرب خليل من السؤال وسكت لثواني وقال: أعرف أنه سنة الحياة وإن الموت لا يترك غنيا ولا فقيرا ولا سلطانا ولا حارس عقار، وأن لكل أجل كتاب. والموت يا أستاذ عبدالحفيظ كأس بيدور على الكل ولن ينتهي إلا بإنتهاء الناس، ولن يمر أحد بالدنيا إلا وأن يتجرع من ذلك الكأس.
لكن قول لي يا عم خليل تفتكر الموت راحة أم عذاب؟
- الموت راحة من كل شر، الموت ينقلنا من تلك الحياة الناضحة بالألم والفقر والمرض إلى حياة لا موت فيها ولا عله ولا مظالم هذا لو إن كفانا الله شر العذاب وأنعم علينا برضاه، ضرب الصمت علر المكان وكأن سهم الله نزل على عبدالحفيظ فلم يحرك ساكنا وعندها أستأذن خليل وخرج.
شرب قدحه وخرج من مكتبه هائما على وجهه، كان الجو حارا والعرق كان يتصبب منه غزيرا، ظل يتفكر فى الموت وماهياته وما سيؤول إليه فى حالة موته، كانت أفكاره تتخبط ببعضها وتزداد التساؤلات متصارعه داخل رأسه فجعلته مطرقا سارحا غير منتبها للطريق وكادت سيارة أن تدهسه لولا تفادي السائق له، رغم ذلك كله لم يهتم وأكمل سيره في حالة من اللامبالاة وهو يتفكر في أفكاره وتساؤلاته. صحيح! كل من يمت له من يبكي عليه، أما يتخلع قلبها لوفاة أبنها، أختا تبكي أخاها وصديقها، أو زوجة ترعى العشرة وتتصدق له أو ولدا يدعو له. قال لنفسه.
طيب وأنت يا عبده هل لك من أحد يفعل ذلك من أجلك بعد مماتك؟! لم يرد على نفسه.
دخل بيته وهو محطم النفس مشتت الفكر ضائع التركيز، أتجه لغرفته مباشرة خلع حذائه ومد جسمه على السرير، أضاء نور غرفة نومه رغم أنها ساعة عصاري ونور الله مازل يكسو الكون والشمس لم تزل في كبد السماء تبث أشعتها الساخنة في كل إتجاه، جلس على سريره وكان خائفا من الظلام والعتمة والكآبة المنتشية بداخل بيته والذي زاد عليه خوفه أفكاره في الموت ووحدته المتوحشة التي تحيطه ببيته، بالرغم من أنه منذ أكثر من عشرة أعوام يحيا وحيدا بعد وفاة شقيقه الأكبر لكنه شعر فى تلك المرة شعورا مختلفا، إذ تذكر أن والديه قد ماتا منذ خمسة عشر عاما وأخاه منذ ما يقرب من عشرة سنين تقريبا، ومن حينها يعش وحيدا بمعني الكلمة وكان حري به أن يتخذ له زوجة سكنا له كي تنجب له طفلا يؤنس معاشه ويتعكز عليه في كبره و يحمل له أسمه ويدعو له بعد مماته.
الآن قد تجاوزت الخمسين وأنت وحيدا يا عبده، كان عليك أنت تشرك أحد معك في تلك الحياة ليؤنسك ويساعدك أنظر حولك ما هذة الشقة الشبيهة بالقرافة التي يملئها الصمت والكآبة، أتذكر متي رنت اخر ضحكة بركن من أركانها؟! (قال لنفسه ). تزايدة وساوسه وبدأت تنخر في كل مراكز عقلانيته وتملكت من الهواجس كما يتملك المرض من الأجساد الهشة الضعيفة وتضخمت لدرجة تخيله أنه مات وجاء أهله الذين لا يزيدون عن أصابع اليد. وضع يده تحت خده وبدأ مشهد موته يدور بدماغه بدا يرى نفسه في خشبة الغسل وأقاربه حوله يغسلوه ويكفنه وهم يدفنونه، وبدا يتصور نفسه وحيدا في قبره الموحش ملفوفا في قماش أبيض تحت التراب. سأكون وجبه دسمة للديدان وستقوم بنهش لحمي ونخر عظامي وستنشأ على جثتي الصغيرة مستعمرات من الدود التي ستتصارع على البقاء فوقي والفوز بلعق دمائي لأخر قطرة. قال لنفسه.
غلبه النوم وراى في منامه كابوسا، رأي أنه مات إثر حادثة بشعة دهسته سيارة أثناء عبوره الطريق فتقطعت أوصاله ففزع عبدالحفيظ من نومه، وأخذ كوبا من الماء وبدأ يلتقط أنفاسه وألقى نظرة على الساعة المعلقة على يساره كانت فى حدود السابعة والنصف، قام من نومه واتجه للمطبخ وبيدين مرتعشتين وفكر مذبذب ونفسية مضطربة يعد لنفسه فنجانا من القهوة، قبل نزوله لتأديه واجب العزاء لصديقه مكرم.
أ . ن - القاهرة
إبريل 2017
إبريل 2017
تعليقات
إرسال تعليق
سيتم الرد فورا عند قراءة الرسالة.